إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 23 ديسمبر 2015

العنف بين الظاهرة و المشكلة الإجتماعية

العنف الاجتماعي بين الظاهرة و المشكلة الاجتماعية
تعتبر المشكلات الاجتماعية بمعناها الواسع هموماً مزمنة ، متجددة ، تعاني منها جميع المجتمعات بدرجات متفاوتة و في أزمنة مختلفة .و يتعامل و يتفاعل كل مجتمع معها وفق بنائه الاجتماعي و خصائصه الثقافية .فكل مجتمع يتناول مشكلاته الاجتماعية بأسلوب يختلف عن المجتمعات الأخرى و ينظر إليها وفق معاييره الخاصة . فجميع المجتمعات ترى أن المشكلات الاجتماعية قضية تهدد استقرار المجتمع   و أمنه .
و من المحقق إن المشكلات الاجتماعية لا تستقر على نمط معين أو درجه محدده أو فتره واحدة و بالتالي تختلف ردود الأفعال الاجتماعية حيالها قوة و ضعفا. و يؤدي ذلك بالضرورة الى إبراز بعض المشكلات الاجتماعية و إخفاء البعض الآخر و التهرب من غيرها . فمثلا يهتم الأمريكيون بجرائم العنف و التمييز العنصري ، و يهتم اليابانيون و الكوريون  بمشكلات الفساد ، بينما يركز العرب عموما على المشكلات الأخلاقية .و نظرا لتباين الأبنية الاجتماعية فإن كل مجتمع يتفاعل مع مشكلاته بناء على خصائصه الثقافية .لذا نجد أن المجتمعات العربية تتفاعل و تتناول مشكلاتها الاجتماعية بدرجه من الغموض  . و بالذات في وسائل الاعلام التي لا تعرض مشكلات محددة ترى أنها قد تؤثر على استقرار المجتمع . لذا يتفاعل المجتمع مع مشكلاته الاجتماعية بردود أفعال متفاوتة في العمق و الحدة و التأثير ، لأنها تؤثر في قيمه الراسخة ، و تضر أحيانا كثيرة  بمصالح طبقات أو فئات أو جماعات معينة .
و مع اختلاف النظرة الى المشكلات الاجتماعية و ردود الأفعال نحوها إلا أن علم الاجتماع يؤكد أن المشكلات الاجتماعية هي حقائق اجتماعية مثلها مثل الحقائق الثقافية و الاقتصادية و السياسية . و اختلفتْ آراء علماء الاجتماع حول مفهومٍ مُحَدَّدٍ للمشكلة الاجتماعية؛ نتيجةً لتنوُّع المشكلات الاجتماعية وخصائصها وسماتها ومجالاتها؛ ولهذا لن تجدَ في معظم كُتُب علم الاجتماع تعريفًا واحدًا يتفق عليه ؛ بل كثيرًا ما يلجأ المؤلِّفون إلى وَضْع مجموعة من التعاريف؛ و من ثم فإن المشكلة الاجتماعية هي موقف واقعيٌّ وضاغط ومدرَك ونسبي، يُمَثِّل تَعَدِّيًا على المعايير الاجتماعيَّة، وَيَتَطَلَّب إيجاد الوسيلة الكفيلة بتغييره نحو الأفضل أو إيجاد حلول له .
و على هذا النحو يمكن تعريف المشكلة الاجتماعية بأنها " ظواهر اجتماعية تمثل خللا معينا في النظام الاجتماعي القائم تؤثر في استقرار المجتمع ، و تهدد استمراره ، فتهم الغالبية العظمى من الناس لاعتقادهم بضرورة فعل شيء تجاهها " (1) .و يعرف مانيس  المشكلات الاجتماعية بأنها : "تلك الحالات أو الظروف الاجتماعية التي تتحدد عن طريق البحث العلمي و القيم العلمية باعتبارها معوقة للخير " (2 ) .
فالمشكلات الاجتماعية كظواهر اجتماعية تتصف بخصائص الظاهرة الاجتماعية فهي عادية بالدرجة الأولى لأنه لا يوجد مجتمع يستثنى منها ، أي أنها ظواهر و أفعال متكرره و منتظمه في جميع المجتمعات. و تتصف أيضا بصفة الحتمية لارتباطها بالبناء الاجتماعي في المجتمع . و تعني حتمية المشكلات الاجتماعية أن على أي مجتمع لكي يتخلص من مشكلاته الاجتماعية تماما أن يتخلص من بنائه الاجتماعي أولا ، و أن يتجرد من مقومات و جوده و استمراره ثانيا ، و أن يخرج من جلده ثالثا. و هذه الأمور الثلاثة يستحيل تطبيقها .و بهذا فإن الحتمية تعني إن تفاوت أنماط المشكلات و معدلاتها و خطورتها هو أمر نسبي. و أن وجود المشكلات الاجتماعية ذاتها ظاهرة أو كامنة في جميع المجتمعات هو أمر نسبي .و هنا تصبح النسبية للمشكلة الاجتماعية  بمعنى أن هذه المشكلة الاجتماعية تحدث في إطار مكاني وزماني محددين ،و  ضمن سياق اجتماعي ثقافي اقتصادي معين .
 و على هذا الأساس يعتبر العنف نمط من أنماط السلوك الإنساني الذي يعد ضمن المشكلات الاجتماعية ،  فهو ظاهرة ارتبطت بالإنسانية منذ الوجود ،  قديمه كقدمها . فالعنف هو استعداد نفسي مرتبط بقدرات  و ممارسات سلوكية لمواجهه الآخر من جانب و البيئة أو المحيط من جانب آخر. و تشير وسائل الاعلام بجميع أنواعها و الإحصاءات الرسمية على  انتشار ظاهرة العنف في كثير من المجتمعات و خاصة بين الشباب و النساء و الرجال و الأطفال باعتباره ظاهرة عالمية . و لعل أهم أنواع العنف انتشارا هي جرائم العنف السياسي و التطرف العقائدي و هما نمطين من التطرف يعدان من أشد أنماط العنف خطرا و تهديدا للأبنية الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية للمجتمع .   و لا يقل  عن هذين النمطين  خطورة العنف الأسري بما فيه العنف ضد المرأة و الطفل  .و بالتاي أصبح لزاما مواجهة العنف بالدراسة و الكشف عن أسبابه و وضع الآليات و السياسات للتصدي له و التقليل من آثاره السلبية على المجتمع ، حفاظا على استقرار النظام و استمراريته .
 أولاً : تعريف العنف :
إن تعريف مفهوم " العنف " يكتفه بعض الصعوبات التي تواجه المحاولات في التعريف السوسيولوجي للمفهوم .و بالتالي تختلف باختلاف الباحثين و مواقفهم من القضايا المجتمعية .و باختلاف التخصصات  أيضا .
التعريف الاصطلاحي للعنف: العنف هو أي سلوك موجه بهدف إيذاء شخص أو أشخاص آخرين لا يرغبون فى ذلك ويحاولون تفاديه (Kaplan and Sadock , 1994) (3).
غير أن معنى العنف اكتسب دلالة أخرى مختلفة عند العرب المحدثين، فأصبح مقابلاً للفظة Violence في الإنجليزية، ،و قريباً  من المعنى الحقوقي الحديث له . فالتعريف القانوني  للمفهوم يختلف عن التعريف السوسيولوجي عن النفسي .فالتعريف القانوني للعنف هو " ممارسة الإنسان للقوى الطبيعية للتغلب على مقاومة الغير .. " أو أنه " الاستعمال غير القانوني لوسائل القسر المادي و البدني ، ابتغاء تحقيق غايات شخصية او جماعية " (4). و هناك تعريفات تربط العنف بالسلطة الذي يشير الى دور بعض الأنظمة السياسية في القمع و القهر الفكريين و توجيه الفرد للتفكير بأسلوب الآخر حيث يعرف رفيق سكري بأن  " العنف بمعناه العام يقصد به أي شكل من أشكال الضغط ( اقتصادي ، سياسي، عسكري ... الخ ) على الفرد بغرض حمله على تصرف ما كان يقوم به لولا هذا الضغط . العنف ما هو إلا محاولة لفرض موقف أو سلوك على فرد ما ( يرفضه عموما ) بأدوات مختلفة منها الضغط و التخويف ... الخ ).   (5)  أما علماء الاجتماع فيعرفون العنف باعتباره ظاهرة و نمط من أنماط السلوك . ويعرفه التير " كنمط من أنماط السلوك هو عبارة عن فعل يتضمن إيذاء الآخرين ، يكون مصحوبا بانفعالات الانفجار و التوتر ، و كأي فعل آخر لابد و أن يكون له هدف يتمثل في تحقيق مصلحة معنوية أو مادية . و قد ينظر الى العنف كظاهرة اجتماعية تتكون من عدد من أفعال مجموعة من الفاعلين تحدث في محيط معين تكون لها درجة من الاستمرارية ، بحيث تمثل فترة زمنية واضحة "  (6) .و أن " العنف ليس حاله ظرفية آنية ، بقدر ما هو أحد مظاهر الوجود الانساني حيث يبرز أو يخف تأثيره ، انطلاقا من الظروف التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية , فالعدوان و الاستبداد و القمع و الظلم و القتل و العبودية و الإهانة و النفي و الملاحقة  و التعذيب ماهي إلا حالات للعنف . و هنا يتنوع العنف ، فهناك العنف الجسدي و المعنوي ، و كل منهما يتنوع أيضا، فالعنف الجسدي درجات و كذلك المعنوي ، كذلك يوجد العنف الأيديولوجي و الأدبي و الفكري و الأمني  .في حين يعرف علماء النفس العنف بأنه " السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والإكراه، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضر والتمدن تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية استثماراً صريحاً بدائياً كالضرب للأفراد والتكسير والتدمير للممتلكات، واستخدام القوة لإكراه الخصم وقهره". و تعرف الموسوعة الدولية العنف بأنه " كل عمل أو قول عنيف يجسد القوة المادية و المعنوية و يمارس عن طريق جماعة أو فرد ضد آخرين . و هو كل تصرف يؤدي الى إلحاق الأذى بالآخرين . و قد يكون الأذى جسديا أو نفسيا ، فالسخرية و الاستهزاء من الفرد ، و فرض الآراء بالقوة و إسماع الكلمات البذيئة جميعا أشكال مختلفة لنفس الظاهرة . " وكما يعريف العنف بأنه " عدوان متطرف يهدف إلى إحداث ضرر بالغ أو تحطيم للأشخاص أو الأشياء أو التنظيمات " ومن التعريفات المهمة للعنف أنة " نشاط تخريبي يقوم به الفرد لإلحاق الضرر والأذى المادي أو الجسدي أو المعنوي كالسخرية أو الاستخفاف "
وهو أبضا " سلوك أو فعل يتسم بالعدوانية يصدر عن طرف فردا كان أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة بهدف استغلال وإخضاع طرف أخر في إطار علاقة قوة غير متكافئة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا مما يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية لفرد أو جماعه أو طبقة اجتماعية أو دولة أخرى" .
إن المعنى الحداثي " للعنف" كمصطلح يتسع لكل أشكال العنف، ولما كنا بصدد العنف داخل المجتمع المدني الحديث، فإنه ينبغي الإشارة إلى أن "العنف كمقولة حقوقية تعود إلى القرن التاسع عشر حيث حدد وفكر فيه داخل التصور الحديث للدولة بوصفه فعلاً أو ظاهرة ترمي إلى إحداث خلل في البنى التي تنظم مجتمعاً ما مما ينجم عنه تهديد نظام الحقوق والواجبات التي يتوفر عليها الأفراد طالما هم ينتمون إلى شرعية قائمة" (7) .و على هذا النحو فإن العنف هو أحد الأنماط السلوكية الفردية أو الجماعية التي تعبر عن رفض الآخر نتيجه الشعور و الوعي بالإحباط في إشباع الحاجات الإنسانية . و يدفع الى العنف قدرات نفسية لدى الفرد تعززها ظروف موضوعية آنية أو دائمه ( اقتصادية و سياسية و ثقافية و اجتماعية و نفسية ) و جميعها ترتبط بخصوصية المجتمع المعني .
فمن خلال تعريفات العنف نخلص أنها تتناول قضيتين مركزيتين:
1 ـ أن العنف  بأبعاده الاجتماعية و النفسية يرتبط  بالبعد القانوني  ،
2 ـ يندرج تعريف العنف ضمن الحقل الوجودي، أي علاقة الأنا مع الآخر، سواء اعتبرنا أنه إنكار الآخر أو استبعاده أو خفضه  إلى تابع أو تصفيته معنوياً أو جسدياً فإنها تتم جميعاً في الحقل التصادمي مع الآخر، وفي النهاية نستطيع ضبط العنف من الناحية المفهومية على أنه تجاوز واختراق القواعد أو القوانين التي تنظم وضعيات تعتبر طبيعية أو عادية أو قانونية، فالتعريف بهذا المعنى يوحي بمعنى الإخلال أو بث البلبلة في نظام الأشياء بشكل وقتي أو دائم. وسواء تركز ذلك أو انحبس داخل النفس الإنسانية أو وجد منفذاً ومخرجاً له فتحول إلى الشكل المادي الفيزيقي، أنه يعتبر في كلتا الحالتين عنفاً، فهو في المرحلة الأولى مؤسس، أما في الثاني فهو مؤسس وناتج عن الأولى".
في هذا السياق، نرى أن "النظم السياسية المتقدمة وهي تحرم العنف كوسيلة لتحقيق أية أهداف، توفر لكل مختلف معها وسائل مسالمة لبلوغ أهدافه إن استطاع، وبالطبع فإن الديمقراطيات الغربية المعاصرة لم تبلغ الكمال، ولعلها وهي نظم بشرية تعجز عن ذلك البلوغ، لكن نسيجها السياسي يوفر من القنوات التي تمكنه من جمع الناس حوله والتأثير فيهم وبهم في الرأي العام الذي يقدر وإن بدرجات متفاوتة على تغيير سياسات).الحكم وتغيير الحكام، وأما مجتمعات العالم الثالث والعربي منها على وجه الخصوص، فالأمر يختلف، إذ تغيب القنوات المشروعة للتعبير عن الاختلاف وتحقيق الطموحات السياسية بل يصل الحال في كثير من تلك المجتمعات إلى حد كراهية الاختلاف والضيق بالطموحات بحيث يجد صاحب الرأي أو الطموح نفسه بين خيارين، إما الركون إلى الصمت أو ارتكاب العنف الغاضب إن استطاع"  (7).
 ثانيا : أشكال العنف الأسري  
تتحدد أشكال العنف حسب تقرير منظمة  الصحة  العالمية في إطار العلاقة الأسرية في  الجوانب التالي:
1-           الاعتداء الجسدي :وهو الاستخدام المتعمد للقوة و يشمل الكدمات ، الجروح ، الكسور ، الحروق إصابات البطن و الرأس الناجمة عن سوء معاملة مقصودة .
2-           العنف النفسي : يشمل المضايقة اللفظية المستمرة منها  القاء اللوم و التحقير و الترهيب و التهديد ، الرفض بازدراء ، ممارسة التمييز ، العزل و التجاهل . و جميعها تؤدي الى تدمير الصحة العقلية و النفسية للشخص المعنف .
3-           العنف الجنسي: و هو الارغام على الممارسة الجنسية ، و إستغلال الشخص في ممارسات جنسية غير مشروعة .
4-           العنف الصحي في عدم مراعاة الصحة الانجابية و عدم مراجعة الطبيب .
5-           العنف الاجتماعي كالحرمان من ممارسة الحقوق و منع التعليم و العمل ، إضافة الى العنف الاقتصادي كالتحكم في الإرث و الدخل كأن يستولي الرجل على دخل زوجته و يتصرف به دون موافقتها أو تحت الضغط و التهديد .
6-           العنف الذي يشمل مختلف التصرفات السلطوية المستبدة و الجائرة.
ثالثا : تعريف العنف الأسري :
يعرف العنف الأسري " بأنه أحد أنماط السلوك العدواني الذي ينتج عن وجود علاقات قوة غير متكافئة في إطار نظام تقسيم العمل بين المرأة و الرجل داخل الأسرة و ما يترتب على ذلك من تحديد لأدوار و مكانة كل فرد في الأسرة ، وفقاً لما يمليه النظام الاقتصادي و الاجتماعي السائد في المجتمع " (8) .
رابعاً : تعريف العنف ضد الأطفال  :
عرفت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل العنف الموجة ضد الأطفال في المادة 19  ب:-" كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية أو الإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال أو إساءة المعاملة أو الاستغلال بما في ذلك الإساءة الجنسية " و ذلك بناء على تعريف الطفل كما هو وارد في إتفاقية حقوق الطفل : كل إنسان لم يتجاوز الثامنه عشر ، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه "
وقد عرفت منظمة الصحة العالمية العنف في تقريرها العالمي حول لعنف والصحة بـ" هو الاستخدام المتعمد للقوة و الطاقة البدنية المهدد بها أو الفعلية ضد أي طفل من قبل أي فرد أو جماعه تؤدى إلى أو من المرجح للغاية أن تؤدى إلى ضرر فعلى أو محتمل لصحة الطفل أو بقاؤه على قيد الحياة أو نموه أو كرامته " . وطبقا لتعريف منظمة الصحة العالمية للعام 2002 فان العنف الأسري "هو كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة ويسبب أضرارا أو ألاماً جسمية أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة". 
كما أن للعنف تعريفات أكثر في العديد من الأدبيات المعاصرة والتي حاولت أن تكشف عن مفهوم العنف من جوانب مختلفة ومن هذه التعاريف أيضا تعريف العنف بأنة " استخدام وسائل إكراهية لتحقيق الأهداف " وكذا هو " القوة الجسدية التي تستخدم للإيذاء ".
يتضح مما سبق أن العنف الأسري أو المنزلي هو الشائع في معظم المجتمعات و بينت نتائج دراسة  مسحية أجريت في المجتمع القطري على عينة من الاطفال حجمها 1077 طفل ، 53,1 % قطريين و 46,9 % غير قطريين . و 48,9% ذكور و 51,1% إناث . أن 23,3% من الأطفال القطريين تعرضوا للعنف مقابل 20,2% من غير القطريين . ز أن 36,1% من الطفال المعفيين يقعون في الفئة العمرية 12-14 سنه . كما بينت النتائج أن أكثر أنواع العنف الذي تعرض له الأطفال هو العنف النفسي المتمثل في التهديد و الصراخ و الحرمان حيث بلغت النسبة 58,6% يليها العنف الجسدي بنسبة 40,5% و أقلها نسبة العنف الجنسي الذي بلغ 93,. % فقط (10) . ومما يميز قضية العنف ضد الأطفال هي إنها تناقش مفهوم أكثر من مناقشتها لبيانات إحصائية أو كمية فأطفال الشوارع يتعرضون للعنف وأساسا وجودهم في الشارع بعيدا عن المدرسة وأجواء الرعاية والنمو الصحيح يعتبر شكلا من أشكال العنف وكذا الأمر بالنسبة للأحداث فاتجاههم للانحراف في الغالب يكون بسبب العنف و أساليب العقاب التي يتعرضون لها أيضا تعتبر عنف وخصوصا إذا ما أخذنا نزوع بعض الدول إلى عقاب من هم دون الثامنة عشرة بعقوبات اقر العالم بأكمله بعد جواز وقوعها على الصغار بأي شكل من الأشكال وكذا الأمر بالنسبة للأطفال العاملين وهم الذين فقدوا طفولتهم وعاشوا ضمن آلة طاحنة تطحن طفولتهم في سبيل أن تظل هي متحركة وتعمل فعملهم يعتبر عنف بشكل من الأشكال وتركهم للتعليم وأجواء النمو الصحيح يعتبر وبشدة شكلا من أشكال العنف . وظهرت العديد من القضايا المتعلقة بالأطفال وخصوصا مع نشؤ المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة .كما يتعرض الأطفال لنمط ثاني من العنف و هو العنف في المدارس و يشمل  العنف الذي يمارسه المعلمون ، و غيرهم من موظفي المدارس الآخرين ،بموافقة صريحه أو ضمنية من وزرات التعليم و السلطات التي تشرف على المدارس ، أو بدون تلك الموافقة كالعقاب البدني , و اشكال أخرى من العقوبة النفسية القاسية و المهينة ، و العنف القائم على النوع الاجتماعي ، إضافة إلى عنف الأقران . كما يحدث العنف في المدارس أيضا في صورة مشاجرات في الملاعب . ويرتبط عنف الأقران بممارسة التمييز ضد الطلاب الذين يأتون من أسر فقيرة أو مجموعات عرقية مهمشة . أو ضد الأطفال الذين يتسمون بصفات شخصية معينة ( كالمظهر أو الإعاقة الجسدية أو العقلية ) ، و معظم عنف الأقران يكون شفوياً ، و يصاحبه أحيانا عنف جسدي .
كما أن هناك نمط ثالث  من العنف ضد الأطفال يحدث في مؤسسات الرعاية و الأنظمة القضائية .حيث يتعرض أولئك الأطفال لمخاطر العنف على أيدي العاملين في تلك المؤسسات .و يشمل هذا العنف الذي يمارس بهدف " تأديب "  الأطفال ، الضرب بالأيدي و العصي و ، و ضرب رؤوسهم بالحيطان ، و تقييد حركتهم بربطهم الى قطع الأثاث ، و حبسهم في غرف شديدة البرودة لعدة أيام و غيرها من الممارسات اللاإنسانية . و قد يتعرض الأطفال المعاقون في مؤسسات الرعاية المنزلية للعنف بدعوى العلاج كالتعرض للصدمات الكهربائية ، أو استخدام العقاقير المخدرة . كما يعد الإهمال صفة من صفات مؤسسات الرعاية المنزلية . حيث تفتقر  بعض مرافق  المعاقين الى الخدمات الصحية و التعليمية و الترفيهية  الملائمة المؤسسات .
أما النمط الرابع من العنف ضد الأطفال فهو العنف في أماكن العمل و إن كانت البيانات عنه محدودة  و خاصة في القطاع الخاص حيث يتعرض الأطفال الذين يعملون بصورة قانونية أو غير قانونية  الى جميع أنواع العنف الجسدي و الجنسي و النفسي . وتشير البيانات أن أعمال العنف ضد الأطفال يمارس من أرباب العمل و أحيانا من عمال آخرين .
خامساً: تعريف العنف ضد المرأة:
بحسب الإعلان العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة هو" أي عمل مبني على أساس النوع والذي يؤدي       أو احتمال أن يؤدي إلى أذى مادي أو جنسي أو معنوي أو معاناة للمرأة ويشمل التهديد بهذه الأفعال والإكراه أو الحرمان من الحرية سواء كان حدوثه في الحياة العامة أو الخاصة."
-  إن هذا التعريف لا يعكس سمات المجتمعات التي تمارس فيها الأفعال، فمفرداته تختلف مدلولاتها طبقاً للمستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي لكل مجتمع بما يسمح بالتحايل عليه حين الاحتكام إلى الثقافة المجتمعية أو الدين.
- كما انه ينطوي على عنف مادي، معنوي، إجرائي، إداري ناتج عن معاناة المرأة عند مطالبتها برفع العنف ضدها وعند لجوئها إلى المؤسسات المختصة.
و أول من لفت الانتباه الى قضايا المرأة المؤتمر العالمي للسنة الدولية للمرأة الذي عقد في المكسيك عام 1975 و تلاه ما جاء في مؤتمرات كوبنهاجن عام 1980م و نيروبي عام 1985 حين وضعت قضية العنف ضد المرأة على جداول أعمالها .
و أصبح العنف ضد المرأة معوق أساسي في تحقيق أهداف العقد الدولي للمرأة. تلى ذلك منهاج العمل الدولي لمواجهة العنف ضد المرأة الذي أقره مؤتمر المرأة الرابع في بيكين ،  ترتب على ذلك إعلان الأمم المتحدة عام 1999  يوم 25 نوفمبر يوما عالميا للقضاء على العنف ضد المرأة .
ارتبط مفهوم العنف ضد المرأة عموماً، بالتحولات التي طرأت على مفهوم التنمية، بعدما كانت التنمية محصورة بالنمو الاقتصادي، وذلك قبل ان يُنـظر اليها لاحقا انطلاقا من رؤية اقل شكلا  اقتصاديا بدأت بالتشكل عام 1995 من خلال مقولة التنمية البشرية ثم مقولة التنمية المستدامة التي وفقت، او جمعت، بين اعتبارات زيادة الانتاج والانتاجية، وتحقيق العدالة والتمكين الاجتماعي و بناء القدرات  من جهة، وتوسيع خيارات الناس ومشاركتهم في مسيرة التنمية وتأمين استدامة العمل الانمائي من جهة اخرى.
ففي سياق التنمية المحصورة بالنمو الاقتصادي، ارتبطت قضايا المرأة بإكسابها بعض الحقوق التنموية وبإكسابها كذلك حصتها من عملية التنمية، اما الاتجاهات الاكثر راديكالية فعولت على تحرير المجتمع بصفته الطريق المؤدية الى تحرير المرأة، لكن هذه الاتجاهات التي لا تخلو من صحة اصطدمت بجملة معوقات منها: فشل البلدان العربية في تحقيق عملية التنمية لأسباب عدة لا مجال للتوقف عندها في هذا المجال، فضلا عن البنية الأبوية  لهذه المجتمعات التي تسودها تراتبيه هرمية تستند الى سلطة المال والجنس والعمر والمكانة الاجتماعية ،  هذه التراتبية الهرمة التي تسود العام والخاص، الجماعة والفرد، جعلت الهوة واسعة بين الحكام والمحكومين، بين الطبقة الادنى والطبقة الأعلى منها، بين المرأة والرجل، كما بين الاصغر والاكبر سنا... الخ.
وفي ظل عدم توافر الشروط اللازمة لتحرير المجتمع واقتصار قضايا المرأة على مشكلات التمييز السياسي والاقتصادي، شكل اتفاق "القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة" الصادر عام 1979 الصك القانوني الدولي الرئيسي المتعلق بحقوق المرأة في حد ذاتها.
فكان هذا الاتفاق تمهيدا لنقلة نوعية في النظر الى قضية المرأة من كونها موضوعاً الى اعلاء قيمتها كذات، اي ان التقدم الذي تم احرازه تمثل في الانتقال من "المرأة في التنمية الى المرأة والتنمية " (11).
و توصلت دراسات العنف في المجتمع القطري الى انه لا يختلف شكلا و موضوعا عن العنف ضد المرأة في مجتمعات أخرى و إن اختلف في الدرجة . فقد و توصلت دراسة كلثم الغانم حول العنف ضد المرأة (2007 ) التي أجريت على عينة حجمها 2787 مفردة ان ما يقارب 23% من العينة قد تعرضن للعنف   و أن أكثر أشكال العنف الذي تعرضت له العينة هو الضرب بنسبة 63,9% من العينة ، ثم الإهانة و الشتم و المنع من إبداء الرأي و عدم السماح بالخروج و التسلط أي ان بعضهن تعرض لعنف معنوي . و ان معدل التعرض للعنف بلغ 55,7 %  و أن معظم الحالات تتعرض للعنف منذ مدة طويلة فبلغت من تتعرض للعنف منذ الطفولة 44,6% و 22,6% منذ بلوغهن سن المراهقة و 11% بعد الزواج . أما مصادر العنف فهي الأخ ثم الأب يلي ذلك الأم .أما الزوج فيأتي في المرتبة السادسة  . أي أن المرأة تواجه العنف من قبل المقربين منها وعلى وجه الخصوص الذكور من أفراد الأسرة   (12).
و  بينت دراسة أخرى على المجتمع القطري ( الغانم 2008 ) على عينة مكونه من1117 امرأه أن 156 مبحوثة تعرضت للعنف من الزوج و ترتفع نسبة اللائي يتعرضن للعنف حسب مستواهن التعليمي فهناك 31% من الأميات يتعرضن للعنف ، و 26% من مستوى التعليم الابتدائي و 22% المستوى الإعدادي يلي ذلك 16% للثانوي لتنخفض النسبة الى 2,5% للجامعيات ، لترتفع مره أخرى لمن يحملن شهادات علمية عليا لتصل الى 17,4 % .و يعد الاعتداء الجسدي أي المادي أكثر أشكال العنف انتشارا.. يلي ذلك  العنف المعنوي أو النفسي كالتهديد بالطلاق أو السب و الشتم و النعت بصفات سلبية (13).
سادساً : آليات العنف :
للعنف آليات كثيرة ومتشابكة تتضافر مع بعضها لتؤدي إلى انطلاق نزعات العنف. ورغم تعدد وتشابك الأسباب إلا أن كثير من علماء النفس يرون أن الإحباط هو أهم عامل منفرد يؤدى إلى العنف ويفسرون العلاقة بين العنف والإحباط كالتالي: إحباط  يؤدي الى تغيرات فسيولوجية ونفسية تؤدي الى زيادة الاستجابة لمثيرات العنف تؤدي بدورها الى سلوك عنيف (Kaplan and Sadock, 1989). (14).
ويرى فريق آخر أن العنف يحدث إذا اختل التوازن بين االدوافع نحوه وبين السيطرة الداخلية للشخص على تلك الدوافع  (Kaplan and Sadock, 1994)  (15). 
سابعاً :النظريات النفسية والاجتماعية المفسرة للعنف  
1-    نظرية التحليل النفسي :
طور هذه النظرية سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي . وترتكز هذه النظرية على تصنيف العمليات العقلية الى نوعين عمليات شعورية و أخرى لا شعورية .
و يرجع فرويد العنف إما لعجز ( الأنا ) عن تكييف النزعات الفطرية الغريزية مع مطالب المجتمع وقيمه ومثله ومعاييره ، أو عجز الذات عن القيام بعملية التسامي أو الإعلاء ، من خلال استبدال النزعات العدوانية والبدائية والشهوانية بالأنشطة المقبولة خلقيا وروحيا ودينيا واجتماعيا ، كما قد تكون ( الأنا الأعلى ) ضعيفة ،وفي هذه الحالة تنطلق الشهوات والميول الغريزية من عقالها إلى حيث تتلمس الإشباع عن طريق سلوك العنف .
كما يرى فرويد أن دوافع السلوك تنبع من طاقة بيولوجية عامة ، تنقسم إلى نزعات بنائية ( دوافع الحياة ) وأخرى هدامة ( دوافع الموت ) وتعبر دوافع الموت عن نفسها في صورة دوافع عدوانية عنيفة ، وقد تأخذ هذه الدوافع صورة القتل والحقد والتجني وتمن    دوافع الموت أو غريزة التدمير في اللاشعور .
في حين ترى الفرويدية الحديثة أن العنف يرجع إلي الصراعات الداخلية والمشاكل الانفعالية والمشاعر غير الشعورية بالخوف وعدم الأمان وعدم المواءمة والشعور بالنقص .و بالتالي ترى هذه النظرية أن السلوك العنيف غريزة فطرية و سلوك فطري غير متعلم تدفع الفرد اليه عوامل فسيولوجية .
2-     نظرية الإحباط :
تربط نظرية الإحباط بين السلوك العنيف و الإحباط ، فالشعور بالإحباط يدفع الفرد الى السلوك العدواني .  و تؤكد هذه النظرية على أن العدوان دافع غريزي داخلي ، إلا أنه لا يتحرك بواسطة الغريزة كما بينت نظرية الغرائز ، و إنما ينشأ نتيجة عوامل خارجية . و يعرف دولارد Dollarde   رائد هذه النظرية الإحباط بأنه " تلك الحالة التي تحدث عندما يكون هناك تدخل يحول دون تحقيق الهدف . و يرى ان الإحباط يرتبط بدرجة أهمية الهدف بالنسبة للفرد ، شدة الرغبة في الاستجابة للإحباط ، و عدد المرات التي يفشل الفرد لأجل تحقيق ذلك الهدف.
ولقد وضع دولا رد مجموعة من القوانين السيكولوجية لتفسير العدوانية والعنف منها :
1-     كل توتر عدواني ينجم عن كبت .
2-     ازدياد العدوان يتناسب مع ازدياد الحاجة المكبوتة .
3-     -تزداد العدوانية مع ازدياد عناصر الكبت .
4-     إن عملية صد العدوانية يؤدي إلى عدوانية لاحقة بينما التخفيف منها يقلل ولو مؤقتا من حدتها .
5-     يوجه العدوان نحو مصدر الإحباط وهنا يوصف العدوان بأنه مباشر وعندما لا يمكن توجيه العدوان نحو المصدر الأصلي للإحباط ، فإنه يلجأ إلى توجيه العدوان نحو مصدر آخر له علاقة مباشرة        أو رمزية بالمصدر الأصلي ، وعندها يسمى هذا العدوان مزاحا وتعرف هذه الظاهرة بكبش الفداء ، فالمعلم الذي يحبط من قبل مديره يوجه عنفه نحو الطلبة لأنه لا يستطيع أن يعتدي على المدير والزوجة التي يعنفها زوجها تقسو على أطفالها .

3-    نظرية التعلم الاجتماعي :
وهي من أكثر النظريات شيوعا في تفسير العنف وهي تفترض أن الأشخاص يتعلمون العنف بنفس الطريقة التي يتعلمون بها أنماط السلوك الأخرى ، وأن عملية التعلم هذه تبدأ بالأسرة ، فبعض الآباء يشجعون أبناءهم على التصرف بعنف مع الآخرين في بعض المواقف ، ويطالبونهم بألا يكونوا ضحايا العنف . ، وقد انبثقت هذه النظرية عن المدرسة السلوكية و طورت من قبل والتر باندور و بارك . وترى هذه النظرية أن معظم السلوك العدواني يتم تعلمه من خلال الملاحظة و التقليد . و أن هناك ثلاثة مصادر رئيسة للتأثير     و التي يتعلم الطفل منها السلوك و هي التأثير الأسري ، و تأثير الأقران و تأثير النماذج الرمزية كالتلفاز    و السينما .. و تفترض هذه النظرية أن السلوك العدواني لا يتشكل من خلال الملاحظة و التقليد فحسب  و إنما من خلال تعزيز السلوك العدواني و العنيف .
فعندما يذهب الطفل إلى المدرسة فإنه يشاهد أن المعلم يميل إلى حل مشاكله مع الطلبة باستخدام العنف ،كما أن الطلبة الكبار يستخدمون العنف في حل مشكلاتهم فيقوم بتقليد هذا السلوك العنيف عندما تواجهه مشكلة .
كما أن وسائل الإعلام  بدورها تعرض في برامجها العديد من الألعاب والبرامج التي تحتوى علي ألفاظ وعبارات ومشاهد تساعد علي تأسيس سلوك العنف لدى الأطفال.
الفرضيات الأساسية لنظرية التعلم الاجتماعي:
1-     إن العنف يتم تعلمه داخل الأسرة والمدرسة ومن وسائل الإعلام .
2-     إن العديد من الأفعال الأبوية أو التي يقوم بها المعلمون والتي تستخدم العقاب بهدف التربية والتهذيب غالبا ما تعطى نتائج سلبية.
3-     - إن العلاقة المتبادلة بين الآباء والأبناء والخبرات التي يمر بها الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة ، تشكل شخصية الفرد عند البلوغ ، لذلك فإن سلوك العنف ينقل عبر الأجيال . إن كثيرا من السلوكيات العنيفة التي يمارسها الوالدين تبدأ كمحاولات للتأديب والتهذيب.
4-     -إن إساءة معاملة الطفل في المنزل يؤدي إلي سلوك عدواني تبدأ بذوره في حياته المبكرة ويستمر في علاقته مع أصدقائه وإخوته ، وبعد ذلك مع والديه ومدرسية.
5-     -إن سلوك العنف يتم تعلمه من خلال العلاقة المتبادلة بين الآباء والأبناء، وخبرات الطفولة المبكرة.
6-     - إن أفراد الأسرة  الأضعف و الأقل قوة يصبحون أهدافا للعنف .لذا يمارس العنف في الأسرة على المرأة  و الطفل

4-     مدرسة التنشئة الاجتماعية :
 تفترض هذه المدرسة أن العنف يتعلم ويكتسب خلال عملية التنشئة الاجتماعية ، كما يتشرب المرء مشاعر التمييز العنصري أو الديني ، ويؤكد ذلك أن مظاهر العنف توجد بشكل واضح في بعض الثقافات والثقافات الفرعية بينما تقل في ثقافات أخرى ، فبعض الثقافات الفرعية التي تمجد العنف تحتل نسبة الجريمة فيها معدلات عالية ، كما نجد أنه في المجتمعات الذكورية التي تعطي السلطة للرجل كثيرا ما نجد أن الرجال يمارسون العنف بشكل واضح ويسوقون المبررات المؤيدة لعنفهم . هذا بالإضافة إلى ما يسود المجتمع من توجهات فكرية مؤيدة أو معارضة للعنف متمثلة في الأمثال والعرف والثقافة السائدة .

5-     الاتجاه البنائي الوظيفي في تفسير العنف :
يقوم هذا الاتجاه على فكرة تكامل الأجزاء في كل واحد والاعتماد المتبادل بين العناصر المختلفة للمجتمع الواحد ، لذلك فإن أي تغير في أحد الأجزاء من شأنه أن يحدث تغيرات في الأجزاء الأخرى وبالتالي فالعنف له دلالاته داخل السياق الاجتماعي ، فهو إما أن يكون نتاجا لفقدان الارتباط بالجماعات الاجتماعية التي تنظم وتوجه السلوك ، أو نتيجة لفقدان الضبط الاجتماعي الصحيح ،أو نتيجة لاضطرابات في أحد الأنساق الاجتماعية مثل النسق الاقتصادي أو السياسي أو الأسري ، أو نتيجة لسيادة اللامعياريه كما يراها دوركايم في المجتمع واضطراب القيم . ويرجع أصحاب النظرية الوظيفية العنف الأسري إلى الخلل الوظيفي الأسري family dysfunction حيث ينظر أصحاب هذه النظرية إلى الأسرة كنظام اجتماعي social system له بناؤه وعلاقاته المتبادلة وحدوده التي تحفظ له توازنه، وبالتالي فإن توازن الأسرة يمكن أن يصيبه الخلل نتيجة اضطراب البناء أو العلاقات أو الحدود، وبهذا يمكن القول أن العنف الأسري هو دليل على وجود خلل ما في هذه الأجهزة المكونة للنظام. وإذا تغيرت القواعد والقوانين والمسؤوليات التي تعمل على توازن النظام الأسري، فإن من المتوقع أن تظهر في الأسرة علاقات سلبية.
6-     نظرية الصراع في تفسير العنف :
تقوم هذه النظرية على الفكر الماركسي التي ترجع العنف في المجتمع إلى الصراع وخاصة الصراع   الطبقي ، والصراع أيضا يمتد ليشمل كافة الصراعات السياسية والأثنية والدينية ، وصراع المصالح والصراع على السلطة ، والصراع يمثل التربة الخصبة لزيادة مظاهر العنف في الوقت الراهن ، خصوصا في ظل عدم توازن القوى ، فعادة ما يميل الطرف الأقوى لفرض هيمنته علي الأضعف لتستمر بعد ذلك دائرة العنف .
 ثامنا : العوامل المؤدية الى العنف :
يتفق الدارسون أن العنف يرتبط بمجموعة من  الأسباب أو العوامل  منها :
-        العامل الاجتماعي و يتمثل في أشكال هي عده منها الخلافات الزوجية و ارتفاع عدد أفراد الأسرة الين يعيشون في منزل واحد و التنشئة الاجتماعية النمطية للذكور و الإناث و صراع الأدوار و تعدد الزوجات . كذلك تبدو في مجموعه من المؤثرات كالإحباط ،  ويعتبر هو أهم عامل منفرد في استثارة العنف لدى الإنسان وليس معنى هذا أن كل إحباط يؤدي إلى العنف، أو أن كل عنف هو نتيجة إحباط (16)  ( Dollard et al,1939 ) ولكي يؤدي الإحباط إلى العنف فلابد أن يتوفر عاملان أساسيان: أولهما: أن الإحباط يجب أن يكون شديداً.  وثانيهما: أن الشخص يستقبل هذا الإحباط على إنه ظلم واقع عليه ولا يستحقه، أو أنه غير شرعي. و الاستثارة المباشرة من الآخرين ،  وربما تكون هذه الاستثارة بسيطة في البداية كلفظ جارح أو مهين ولكن يمكن أن تتضاعف الاستثارات المتبادلة لتصل بالشخص إلى أقصى درجات العنف. والتعرض لنماذج عنف: وهذا يحدث حين يشاهد الشخص نماذج للعنف في التليفزيون أو السينما، فإن ذلك يجعله أكثر ميلا للعنف .
-        العامل الاقتصادي تعد العوامل الاقتصادية أهم عوامل العنف الأسري فتدني معدلات النمو الاقتصادي مع ارتفاع معدلات النمو السكاني يؤدي الى تدني نصيب الفرد من الناتج المحلي ، تدني معدل دخل الأسرة فكلما انخفض دخل الأسرة كلما زاد احتمال حدوث العنف ،و تبعية المرأة الاقتصادية للرجل ، و بطالة الذكور في الأسرة و خاصه المعيل .
-        العامل   البيئي في تلوث الهواء والضجيج والازدحام و غيرها  ،
-        العامل الموقفي يظهر في الاستشارة الفسيولوجية العالية كالمنافسة الشديدة في المسابقات، أو التدريبات الرياضية العنيفة، أو التعرض لأفلام تحوي مشاهد مثيرة. كما وجد أن التعرض للاستثارة الجنسية العالية ( كأن يرى الشخص فيلماً مليئا بالمشاهد الجنسية ) يهيئ الشخص لاستجابات العنف وأن  الألم  مثير للعنف  أحيانا فحين يتعرض الإنسان للألم الجسدي يكون أكثر ميلا للعنف نحو أي شخص أمامه. أما المحددات العضوية فتعزو بعض الدراسات  العنف إلى ارتفاع نسبة هرمون الأندورجين ( الهرمون الذكري ) في الدم، وإن كانت هذه الدراسات غير مؤكدة حتى الآن. كما ويؤدي استعمال العقاقير كالكحول والأفيونات إلى زيادة الاندفاع نحو العنف . إضافة الى الناقلات العصبية التي تربط زيادة الدوبامين ونقص السيروتونين بالعنف،كذلك الصبغيات الوراثية  حيث أوضحت  دراسات التوائم أن  زيادة نسبة السلوكيات العنيفة في توأم أحادي البويضة إذا كان التوأم الآخر متسما بالعنف، وأكدت دراسات وراثية أخرى زيادة العنف في الأشخاص ذوي الذكاء المنخفض، وفي أولئك الذين لديهم تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية أكثر ميلا للعنف.
-        العامل الثقافي الذي يظهر في الشك و الارتياب في السلوك ، و الاعتقاد في الخرافات و أعمال السحر و الشعوذة ،إضافة الى قدسية الأسرة و التستر على الانتهاكات الأسرية باعتبارها شأنا أسريا خاصا.
-        العامل القانوني حيث تؤدي بعض العوامل المتعلقة بالقوانين السائدة الى انتشار العنف كالقوانين التي تميز بين الرجل و المرأة في حقوق الملكية والحضانة و الاعالة و الضمانات الاجتماعية و الصحية ، كذلك عدم الالمام بالقوانين و خاصة من قبل المرأة مما يجعلها ترى العنف الممارس ضدها أمرا عاديا أو لا تستطيع عمل شيئا حياله ، وعدم كفاية القوانين التي تحكم الاعتداءات على المرأة و الطفل ،       و غموض بعض المفاهيم قانونيا ( الاساءة الجنسية ، التحرش الخ ..) ، و العزوف عن التعامل مع الجهات الأمنية قيما يتعلق بمشكلات العنف باعتبارها قضايا شخصية خاصة (17).
تاسعاً : استراتيجيات معالجة مشكله العنف :
حتى يتم التصدي لظاهرة العنف في المجتمع يقترح وضع سياسات وبرامج وطنية نوجزها في الجوانب التالية
-  صياغة الدول  للأساليب الوقائية وكل التدابير القانونية والسياسية والإدارية والثقافية التي تعزز حماية المرأة و الطفل من جميع أشكال العنف وتكفل عدم تكرار إيذائهما بسبب وجود قوانين وممارسات خاطئة .
- ضمان  تقديم  المساعدة المتخصصة للنساء المعنفات وعند الاقتضاء إلى أطفالهن، كإعادة التأهيل، والمساعدة على رعاية الأطفال وإعالتهم والعلاج والمشورة، والخدمات الصحية والاجتماعية.
- تدريب  الموظفين المنوط بهم تنفيذ القوانين الخاصة بالعنف ضد المرأة كالشرطة والقضاة.
- ضرورة  تعديل أنماط السلوك الاجتماعية والثقافية للرجل والمرأة لإزالة كل الممارسات التقليدية المستندة إلى دونية أي جنس.
- تطوير  البرامج المبنية على الموروث الديني والاجتماعي و الثقافي الإيجابي.
 - الاعتراف  بدور المؤسسات الخاصة و الأهلية والمنظمات غير الحكومية في رفع درجة الوعي، والتخفيف من حدة الظاهرة .
 -  تجريم  العنف ضد المرأة و ضد الأطفال  في القوانين و التشريعات الوطنية .
-  نشر الوعي وتوفير الدراسات القانونية المتعلقة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان بين مسؤولي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
- تخصيص جزء من الميزانيات الوطنية لدعم جهود وآليات مناهضة التمييز والعنف ضد المرأة  و الأطفال.
-  إصدار  أو تعديل قوانين الأحوال الشخصية  و قوانين الأسرة وإنشاء محاكم للأسرة .
-  توعية  وإرشاد الشباب بالحقوق والواجبات الأسرية.
-  العمل  على إنشاء مراكز لحماية ضحايا العنف وتأهيلهن، و مراكز إرشاد و حماية للأطفال المعنفين .
-  وضع استراتيجيات وخطط تنفيذية مبنية على بحوث ودراسات متعمقة و برامج متابعة و تقويم  .
-  إزالة  الفهم الخاطئ للنصوص الشرعية المتعلقة بالأسرة وإظهار وجهة نظر التشريع الإسلامي الرافض للعنف الأسري.
إن هذه التدابير من شأنها حث الدول والمجتمعات – مؤسسات المجتمع المدني- على مواجهة ظاهرة العنف ووضع الحلول العملية للقضاء عليها ورفع التمييز ضد المرأة باعتباره احد الأسباب المؤدية إلي العنف   و حماية الأطفال من العنف .
هذه المقترحات نابعة عن واقع تم تشخيصه. هذا الواقع يطرح علينا تساؤلاً هما وهو أين دور حكومات ومجتمعات الدول المشاركة سواء في المؤتمرات التي صدرت عنها هذه الإعلانات أو تلك المنظمة لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز و اتفاقية حقوق الطفل في مواجهة العنف في مجتمعاتها  ، وهل مازالت هذه التوصيات والتدابير منذ الأمس وحتى اليوم تتكرر دون اتخاذ تدابير فاعلة ؟؟؟ .
المصادر والمراجع
1-     سالم ساري و خضر زكريا ، مشكلات اجتماعية راهنة " العولمة .. و انتاج مشكلات جديدة " ، الأهالي للطباعة و النشر و التوزيع ، سورية ، دمشق ، 2004 ، ص ص 13-15  
2-     جيروم  ج مانيس ، تحليل المشكلات الاجتماعية ، ترجمة فتحي أبو العينين ، مكتبة الحرية الحديثة ، جامعة عين شمس ، 1989 ، القاهرة ، ص 69 .
3-      . - Kaplan H Sadock B (1989) . Comprehensive Textbook of Psychiatry fifth ed., vol. One, Williams and Wilkins Baltimor1-
4-محمد جواد رضا ، ظاهرة العنف في المجتمعات المعاصرة ، مجلة الفكر ، المجلد 5 ، ص 147 .
5-رفيق سكري ، العنف الفكري و الدعاية السياسية ، الفكر العربي ، معهد الإنماء العربي للعلوم الانسانية ، يناير-مارس 1993 ، العدد 71 ، السنة 14 (1) ص ص 116-127
6- مصطفى عمر التير ، العدوان و العنف و التطرف ، المجلة العربية للدراسات الأمنية ، المركز العربي للدراسات الأمنية و التدريب ، الرياض ، 1993 ، ص ص 39-57 .
7-موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، الكويت، دار سعاد الصباح، ط1، 1993.
8-من مقال بعنوان "خطاب العنف، مقاربة نفسية وأنثروبولوجية "لـ رضوان جودت زيادة، باحث من سوريا، دراسات عربية، العدد (1 و 2) السنة الخامسة والثلاثون، ص99.
9-نورة المريخي و سارة المريخي ، الإساءة و العنف ضد الأطفال ، المجلس الأعلى لشؤون الأسرة ، الدوحة ، قطر ، 2013 م .
10-سالم ساري ، مرجع سابق ، ص 151
11-معتز سيد عبد الله، وصالح عبد الله أبو عيادة، 1995، أبعاد السلوك العدواني، دراسة عملية مقارنة، دراسات نفسية، العدد الثالث، ص521-580.
12- كلثم  علي الغانم ، العنف ضد المرأة : دراسة مسحية على طالبات جامعة قطر ، المجلس الأعلى لشؤون الأسرة , الدوحة ، قطر ، 2007 .
13- كلثم علي  الغانم ، العنف ضد المتزوجات : دراسة ميدانية ، المجلس الأعلى لشؤون الأسرة ، 2008 ، الدوحة ، قطر .
14- من مقدمة مرشد العمل في القضايا الجندرية، مؤسسة فريدريش ايبرت، عمان 2002
15- من مقال صحفي بعنوان "سؤال يتعمم على الحدث والحاضر العربي: هل ينجز العنف أحداثاً ديمقراطية؟" لـ عبد الحميد البكوش، كاتب ورئيس وزراء ليبي سابق، المقال نشرته جريدة القدس في تاريخ 7/ 1/ 1999، الصفحة 19.
16- Kaplan H, Sadock B (1994). Synopsis of psychiatry, seventh ed., Williams and Wilkins, Middle East edition, Egypt-
17-
 Bandura, A (1973). Aggression , a social learning analysis , Prentic- Hall, Englewood Clifب - -          
NJ.
18- Dollard J, Miller N, Nowrer O, Sears R (1939) . Frustration and aggression . Yale University press, New- Haven, Conn .
19- مرجع سابق ، سالم ساري ص ص 162-166






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق