إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 1 فبراير، 2012

مفهوم التحديث

نشأة مفهوم التحديث و تعريفه:
 مفهوم التحيث يصعب ترجمته موضوعياً في ضوء خصائص أو نتائج يمكن اكتشافها . لذا يعرف من خلال وجهات نظر متعددة في العلوم الاجتماعية . فبعض التعريفات يتسم بالنسبية المطلقة و الآخر ينطلق من مسلمة  أن  هذه العلوم لديها القدرة على التوجيه و النقد و كشف مواطن الخلل الوظيفي في البناء الاجتماعي . مما أدى الى ظهور تعريفات متحيزة كالقول مثلا بأن التحديث هو إكتساب الطابع الغربي ( السيد الحسيني و آخرون ، دراسات في التنمية الاجتماعية ، 1974م ) . و لكن المنهج العلمي ساعد على صياغة تعريف مقبول للتحديث ، فأصبح يشبر الى نموذج محدد للتغير في المجتمع ، و أنه العملية المعقدة التي تستهدف إحداث تغيرات في الجوانب الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الأيديولوجية في المجتمع .
و يلعب التحديث دوراً هاماً في عملية التنمية . فالتنمية و التحديث يسيران متوازيان منذ أكثر من قرن في أنحاء كثيرة من العالم .
و يرتبط مفهوم التحديث بالتنمية . فيعني التغير في اتجاهات الأفراد و سلوكهم الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي من جهة ، و بالتغير في البناء الاجتماعي من جهة ثانية .
يختلف المفهوم باختلاف العلوم الاجتماعية . فيرى الاقتصاديون التحديث من خلال استخدام الانسان للتكنولوجيا للسيطرة على المصادر الطبيعية لزيادة دخل الفرد . في حين يهتم علماء الاجتماع بعملية التمايز و الإختلاف بين المجتمعات و درجة النمو  و نوعية التغير .
و يعني علماء السياسة بمشكلات بناء الدولة و تحديد عناصر التحديث الهدامة .
التحديث يعني التقدم و يرتبط بالتنمية. فإما  أن يكون تطوراً تكنولوجياً أو إجتماعياً أو نفسياً ، كارتفاع درجة الطموح الفردي و تأكيد دور الفرد في الحراك الاجتماعي.
 تقييم الغرب للعالم الثالث : دراسة دانيال ليرنر ( 1958 ) على ست دول في الشرق الأوسط : مجتمعات تقليدية ، و انتقالية ( مصر وسوريا ) الطموح غربي السمات و الإنجاز بعيد عن الطموح  و متجهة  نحو التحديث ( تركيا ) . قيم المجتمع الأمريكي هي مقياس التحديث .
ترجع صعوبة استخدام مفهوم التحديث بطرق غامضة إلى صعوبة التمييز بين الظواهر المختلفة التي تبحث في:
1-   تحديد التحديث بأنواع التغير الاجتماعي و اعتبار أشكاله المختلفة أنواعا من التحديث، في حين أن بعضها نتائج للتحديث و ليس العملية ذاتها.
2-    ارتباط المفهوم باكتساب الطابع الغربي
3-    تحديد التحديث بأنماط الحكومات الديمقراطية و الدستورية التي ترتكز على النموذج الغربي.
4-    التركيز على عملية واحدة في المجتمع الحديث و اعتبارها المحور أو الأساس اللازم لعملية التحديث.
5-    خلط المفهوم مع الوصول إلى التحديث، أي الانتماء إلى دول العالم المتقدم.
فيعد التحديث نوعاً من أنواع التغير و أحد العوامل التي تؤدي إليها التنمية .
فالتحديث عملية شاملة تؤثر فيها عوامل خارجية و داخلية ، مادية و ثقافية  متفاعلة .
يرتبط مفهوم التحديث بالتغير و التنمية ، لأنه يشير إلى الحالة التي تحول فيها المجتمع من حالة إلى حالة اخرى . تغير حضاري مقصود و مخطط و مقدرة تكاليفه و وسائله و نتائجه .
الملاحظ إن بعض النظريات السوسيولوجية  كانت تخلط بين مفاهيم التغير و التطور و التقدم . أو يستخدم كل مفهوم بمفرده .
فمفاهيم التطور الاجتماعي و النمو الاجتماعي ترتبط بفكرة التقدم .
اصبح مفهوم التغير الاجتماعي يشير إلى كل أشكال التباين في المجتمعات الإنسانية. أوجبرن 1922 : كتاب التغير الاجتماعي .
التنمية: أداة تستطيع الدول النامية أن تواجه عوامل التخلف بتبنيها خصائص المجتمعات المتقدمة.
أنها:   عملية الاستغلال الرشيد للموارد التكنولوجية و التساند الاجتماعي للنظم و التحضر و التعليم و الحراك، و التوحد مع التاريخ و المنطقة و الكيان القومي.
تفترض وجود خصائص معينة : الدينامية ، التغير ، التصنيع ، الاستقلال ، التأثير القوة , الوحدة الداخلية .
التنمية تختلف عن التصنيع :
التصنيع تكنولوجيا، اختراعات   الخ..
التنمية تحويل و تطوير العلاقات الإنسانية و المكانات الاقتصادية و السياسية بغض النظر عن مستوى التصنيع .
التغير : يدل على التكيف المستمر و بخطوات ثابتة .
جاء الاهتمام بالتحديث لأنه يؤدي إلى تضييق هوة التخلف باعتباره الحلقة التي تساعد المجتمعات إلى الوصول إلى درجة من التقدم .
هذه العملية تختلف باختلاف الخصائص البنائية و الاجتماعية والثقافية و التاريخية : لأنها تحدد درجة التغير الاجتماعي ..
الاهتمام في الفكر الاجتماعي المعاصر يدور حول معرفة أسباب الخلل و التفكك في النظام الاجتماعي .
 ظهر منهجان  يتناولان  هذه القضية : 1- يعني بالخصائص النوعية للمجتمع
                                                2- يصف الخصائص البنائية و التنظيمية للمجتمع .
قام مؤسسو علم الاجتماع  بإجراء دراسات مقارنة أمثال  كونت ماركس، فيبر. فيبر استخدم المنهج المقارن من خلال تحليل مقارن لتوضيح بعض الخصائص الشائعة في مجتمع ما أو عدة مجتمعات لإلقاء الضوء على الخصائص المتشابهة و المختلفة فيها. كتحليله التوجيه الاقتصادي لديانات العالم الكبرى حين استخدمها كخلفية لتحليل بعض المجموعات الدينية البارزة في أوروبا و خاصة عند ظهور الأخلاق البروتستانتية التي اعتبرها النتيجة الحتمية لتطور الرأسمالية . كذلك ارتبطت أعماله بعناصر اخرى من التحليل المقارن كتلك التي تهتم بالسلطة الملهمة (الكاريزما )  حين جعل الإلهام روتينيا و مرتبطا بالبيروقراطية .
ترتكز الدراسات التقليدية على الافتراض الثنائي : المجتمع التقليدي عكس المجتمع الحديث.،
فخصائص المجتمع التقليدي : استاتيكي  ، قلة تخصص ، ندرة تقسيم العمل ، انخفاض المستوى التعليم ، قلة التحضر ، الغالبية تعمل بالزراعة و هو عكس المجتمع الحضري.
منذ الخمسينيات ظهر الاهتمام بالكيفية التي يتم فيها التغير و التنمية في المجتمعات النامية.
العالم الثالث ظهر نتيجة الانقسام إلى كتلتين . من أهم خصائصه :أنه  يسعى لأن يكون سياسيا مستقلا عن مركز القوتين .
و يعد العام الثالث في حالة انتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث. اقتصاد كل دولة يرتبط بظروف و سياسات الدولة المعنية .
الدول النفطية تختلف في بعض الخصائص عن مجموعة الدول النامية.
 من الصعوبة أن يضع أي مفكر مقياسا لتحديد نوعية الدول التي تعتبر متقدمة أو نامية. و ذلك لارتباط التخلف السياسي بالاقتصادي .
الدراسات الثنائية كانت متحيزة، لأنها تنظر إلى مجتمعات العام الثالث من منظور استعماري  و احتكار اقتصادي.
ترتب على ذلك ظهور اتجاهات تحليلية تطورية كمفهوم المراحل و التركيز على الميكانيزمات  و الحالات المحتملة للانتقال من المرحلة التقليدية إلى المرحلة الحديثة ، و كذلك في تفسير أنواع المختلفة للمجتمعات .
 كما ظهر منهج النسق في دراسة الحياة الاجتماعية و السياسية على أساس أن المجتمعات ما هي إلا أنساق اجتماعية أو سياسية ( المنهج الوظيفي : بارسونز )    
ترتب على ذلك المزج بين النظرية و البحث و الاهتمام بدول العالم الثالث أن ظهرت مناهج متطورة و مختلفة في التحليل المقارن.
كانت المراحل الأولى لتلك الدراسات تعنى بدراسة الخصائص الرئيسية للمجتمعات التقليدية و الحديثة و البحث عن أوجه الاختلاف بينهما و ذلك من خلال تحليل المؤشرات . و تحديدا المؤشر  السوسيوديمغرافي و المؤشر البنائي .
نظر إلى المجتمعات التقليدية باعتبارها قوة ظاهرة يجب التخلص منها لإتاحة المجال أمام نمو قوى اقتصادية و سياسية و اجتماعية حديثة .
 تهدف دراسة المجتمعات التقليدية من خلال مؤشرات التحديث و التنمية لمعرفة الدرجة التي وصلت إليها هذه المجتمعات من نموذج المجتمع الصناعي. و كذلك التعرف على المعوقات التي تحد من التقدم.
الحقيقة إن المجتمعات النامية ليست أسيرة الأعراف و التقاليد و انساق القيم و المعتقدات الثابتة التي لا تتغير. و إنما هي تتغير في اتجاهات قد تختلف عن اتجاهات و درجة التغير في المجتمعات الصناعية.
و من جانب آخر فقد كانت الدراسات المبكرة تركز على تحليل المجتمع النامي بنفس المعايير التي تحلل بها المجتمع الصناعي الحديث. و قد أغفلت آليات التغير .
و تم وضع إطار افتراضي لدراسة التحديث يربط بين دراسة التغير و المناهج العامة و السلوكية بشكل يربط بين الأسس المبدئية و مشكلات النظرية الاجتماعية.
ترتب على ذلك إعادة تفسير الاختلاف بين المجتمعات بصفة عامة و المجتمعات التقليدية و الحديثة بصفة خاصة.
إذن ما هي الخصائص النوعية للحياة الحديثة ؟؟
إنها تندرج تحت مفاهيم: الرشد، الحرية، التقدم و هي تمثل الخصائص النوعية للمجتمعات.
نظرية روستو في التنمية الاجتماعية و الاقتصادية
في مؤلفه الشهير " مراحل النمو الاقتصادي " وهي خمس مراحل :
- المرحلة الأولى : مرحلة المجتمع التقليدي ، زراعة ، امية ، بدون مدخرات ، عدم استخدام التكنولوجيا .
- المرحلة الثانية  : التهيؤ للانطلاق: يتجه المجتمع إلى دخول مرحلة انتقالية، لابد من توفر ظروف اقتصادية و اجتماعية معينة.
-المرحلة الثالثة   : مرحلة الانطلاق: يرتفع الادخار
- المرحلة الرابعة : مرحلة الاتجاه نحو النضج
 المرحلة الخامسة :مرحلة الاستهلاك الوفير
تعرضت لنقد كبير هو النقد الذي وجه إلى النظرية التطورية ككل..  و تمثلت الإنتقادات في الجوانب الآتية  :
1-   لا تلقي الضوء على ديناميات التغير الاجتماعي و الصناعي تفتقر إلى شرح آليات و حالات الانتقال من مرحلة إلى اخرى وإصراره  على أن المجتمعات النامية هي مجتمعات تقليدية ذات خصائص واحدة و منعزلة  يحتاج إلى إثبات أمبير يقي
2-   إن المجتمعات النامي حتى تتطور يجب أن تمر بنفس المراحل التي مرت بها المجتمعات المتقدمة يحتاج إلى برهنة علمية
3-   المرحلة الثالثة مرحلة الانطلاق تعني أن يكون المجتمع رأسماليا و يتبين إن تحقيق الرأسمالية للدول النامية ليس تنمية لها.
4-   الدول المتقدمة نمت اقتصاديا عن طريق الاستعمار فلدول النامية ليست مستعمرة إذن لا يمكن لها أن تحقق التنمية من هذا المطلق.
5-    اغفل الثورة كعامل أساسي في التنمية .
6-   الخطأ في اعتبار مرحلة الاستهلاك الوفير هي قمة النمو الاقتصادي، الدول النامية يرتفع الاستهلاك دون ارتفاع في معدل الإنتاج.
 و لكنه عدل آرائه في مؤلفه " سياسة مراحل النمو السياسي “ الذي جغء في مرحلة تالية .
 التنمية و التحديث و المفاهيم المرتبطة بهما:
هناك عدد قليل من العلماء الاجتماعيين الذين يميزون بين مفاهيم: التحديث، و مفاهيم التنمية و التغير الاجتماعي.
آبتر يقول " إننا نعتبر التنمية كنوع خاص من التغير الاجتماعي ، و التحديث كحالة خاصة من التنمية ، بينما التصنيع هو الأكثر تحديدا و اكثر دلالة و وضوحا "
التحديث عملية بعيدة عن التصنيع ، التحديث نتيجة للتصنيع في الغرب، بينما هو سببا للتصنيع في الدول النامية .
بوسكوف ميز بين التغير الاجتماعي و التنمية الاجتماعية ، التغير يؤدي إلى تنوع في البناء الاجتماعي ، أما التنمية فهي تهني الرغبة في التغير .
هوروفتز فرق بين التنمية و التصنيع و التغير و التطور الاقتصادي و الديمغرافي . التصنيع يشير إلى الاختراعات التكنولوجية و الآلية.
إذن تحتوي التنمية على التغير في العلاقات الإنسانية و في المركز الاقتصادي و السياسي بغض النظر عن مستوى التصنيع.
هذا التميز يزيل حتمية الارتباط السببي بين التنمية الاجتماعية و التصنيع .بمعنى انه يمكن تنمية العام الثالث بدون الدخول في مرحلة التصنيع الثقيل ..
التغير هو المفهوم الأكثر موضوعية و يمكن تناوله بأي اتجاه أو أي شكل. أي أن التغيير في الدول النامية انتقل من قضايا التبني الاقتصادي إلى عملية تحقيق الأهداف.
 التحديث هو العملية التي يمكن للنسق السياسي أن يسمح أو يماشي التغير الاجتماعي و الاقتصادي. أي أن التغير التكنولوجي في العالم الثالث يرتبط بالتغيرات السياسية.
____________________________________________________________________________________

المصدر : جهيتة سلطان سيف العيسى ، التحديث في المجتمع القطري المعاصر ، دار كاظمة للنشر و التوزيع و الترجمة ،  الكويت 1979 م .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق